أشعلت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران فتيل التوتر في المنطقة مجدداً، وأعادت إلى الواجهة سؤال الشرعية القانونية لاستخدام القوة. لم تشارك المملكة المتحدة في الضربات الأولى، لكنها أعلنت استعدادها للانخراط في “إجراء دفاعي”، ما فتح نقاشاً واسعاً حول حدود القانون الدولي، وحق الدفاع عن النفس، ومخاطر تكرار سيناريوهات سابقة مثل غزو العراق عام 2003.

 

أساس استخدام القوة في القانون الدولي

 

يحظر ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة في العلاقات الدولية، إلا في حالتين واضحتين: يجيز مجلس الأمن ذلك بموجب الفصل السابع، أو تمارس دولة حقها في الدفاع عن النفس وفق المادة 51 عند تعرضها لهجوم مسلح. لذلك يتركز الجدل القانوني حول ما إذا كانت الضربات الأمريكية والإسرائيلية تندرج ضمن مفهوم “الدفاع عن النفس” أم تمثل عملاً هجومياً خارج هذا الإطار.

 

توضح الجارديان أن بعض المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين يبررون الهجمات باعتبارها ردعاً لتهديد وشيك أو رداً على أعمال عدائية سابقة. غير أن خبراء قانونيين يشددون على أن مفهوم “التهديد الوشيك” يخضع لمعايير صارمة، إذ يتطلب دليلاً واضحاً على خطر فوري لا يمكن احتواؤه بوسائل أقل حدة. ويثير توسيع هذا المفهوم ليشمل ضربات استباقية مخاوف من تقويض قاعدة حظر استخدام القوة التي تشكل حجر الزاوية في النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.

 

يرى بعض الفقهاء أن أي عمل عسكري داخل أراضي دولة ذات سيادة دون تفويض أممي صريح يثير شبهة عدم المشروعية، ما لم يثبت وقوع هجوم مسلح فعلي يبرر الرد. ويشير آخرون إلى أن اللجوء إلى القوة يجب أن يراعي مبدأي الضرورة والتناسب، أي أن يقتصر الرد على ما يكفي لدرء الخطر دون تجاوز ذلك.

 

الموقف البريطاني وإشكالية “الدفاعي”

 

أعلنت المملكة المتحدة أنها لم تشارك في الضربات الأولى، لكنها ستنخرط في “إجراء دفاعي”. يطرح هذا التصريح سؤالاً قانونياً حول طبيعة هذا الإجراء وحدوده. يسمح القانون الدولي بمساعدة دولة أخرى في ممارسة حقها المشروع في الدفاع عن النفس، لكن يشترط أن يستند ذلك إلى طلب واضح من الدولة المعنية، وأن يظل العمل ضمن إطار الضرورة والتناسب.

 

يحذر خبراء من أن استخدام توصيف “الدفاعي” لا يكفي بذاته لإضفاء الشرعية على أي عمل عسكري. يتطلب الأمر تحديد الأساس القانوني بدقة، وبيان طبيعة التهديد، وإثبات أن الوسائل غير العسكرية لم تعد كافية. ويستحضر كثيرون تجربة عام 2003 حين أثار تبرير غزو العراق جدلاً واسعاً حول مدى التزام الدول الكبرى بالقانون الدولي.

 

مخاطر سابقة قانونية جديدة

 

يثير التصعيد الحالي مخاوف من إرساء سابقة تسمح بتوسيع مفهوم الدفاع عن النفس ليشمل ضربات استباقية ضد تهديدات محتملة. قد يؤدي هذا التوسع إلى إضعاف نظام الأمن الجماعي، ويفتح الباب أمام دول أخرى لتبني التفسير ذاته في نزاعات مختلفة.

 

يشير قانونيون إلى أن أي تقييم نهائي لشرعية الهجمات سيتطلب معرفة تفاصيل دقيقة حول الوقائع الاستخباراتية، وطبيعة الأهداف، ومدى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية. ويؤكدون أن الشرعية لا تتوقف عند مبرر اللجوء إلى القوة فحسب، بل تمتد إلى كيفية إدارة العمليات العسكرية نفسها.

 

يعيد هذا الجدل تسليط الضوء على التوتر الدائم بين اعتبارات الأمن القومي للدول الكبرى ومتطلبات النظام القانوني الدولي. فكلما توسع تفسير حق الدفاع عن النفس، تقلصت المساحة الفعلية لحظر استخدام القوة، وهو ما قد يعيد العالم إلى منطق القوة بدلاً من منطق القانون.

 

في ظل هذا المشهد، لا يقتصر السؤال على ما إذا كانت الضربات الحالية مشروعة قانونياً، بل يمتد إلى ما إذا كان المجتمع الدولي قادراً على الحفاظ على القواعد التي وضعت أصلاً لمنع الانزلاق إلى حروب أوسع.

 

www.theguardian.com/law/2026/mar/02/legality-us-israel-attacks-iran-uk